فخر الدين الرازي
97
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب ، فلا يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب . الثاني : قال ابن الأنباري : العرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول : خرج فلان إلى مكة على الجمال ، واللّه تعالى يقول : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [ آل عمران : 173 ] يعني نعيم بن مسعود . الثالث : لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا ، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة ، ثم إنه تعالى علل كونه معذبا للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين . واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر ، فقد اشتركتا في الجرم ، والتعذيب يختص بإحدى الطائفتين ، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز ، وأيضا التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله : كانُوا مُجْرِمِينَ يدل على صدور الجرم عنهم في الزمان الماضي ، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة المتقدمة لا يجوز ، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون . واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ وأقوى من جرم الطائفة الأولى ، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ ، وأيضا ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل ، فأوجب التعذيب . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 67 ] الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة ، فقال : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي في صفة النفاق ، كما يقول الإنسان : أنت مني وأنا منك ، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه ولما ذكر هذا الكلام ذكر تفصيله فقال : يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح ، إلا أن الأعظم هاهنا تكذيب الرسول وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن إلا أن الأعظم هاهنا الإيمان بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ويقبضون أيديهم ، قيل من كل خير ، وقيل عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل اللّه وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الإنفاق في الجهاد ، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد ، والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء . فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده . ثم قال : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ واعلم أن هذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما ، لأن النسيان ليس في وسع البشر ، وأيضا فهو في حق اللّه تعالى محال فلا بد من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي ، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته ، وجاء هذا على أوجه الكلام كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] الثاني : النسيان ضد الذكر ، فلما تركوا ذكر اللّه بالعبادة والثناء على اللّه ، ترك اللّه ذكرهم بالرحمة والإحسان ، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسي شيئا لم يذكره ، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم . ثم قال : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي هم الكاملون في الفسق . واللّه أعلم .